محمد بيومي مهران

50

دراسات تاريخية من القرآن الكريم

أول دعوة من المرأة ، إنما تكون هي الدعوة الأخيرة ، وقد لا تكون أبدا ، إذا لم تضطر إليها المرأة اضطرارا ، والفتى يعيش معها وقوته وفتوته تتكامل ، وأنوثتها هي تكمل وتنضج ، فلا بد كانت هناك إغراءات شتى خفيفة لطيفة ، قبل هذه المفاجأة العنيفة الغليظة ، « قال معاذ اللّه إنه ربي أحسن مثواي ، إنه لا يفلح الظالمون » ، والنص هنا صريح وقاطع في أن رد يوسف المباشر على المراودة السافرة كان هو التأبي ، المصحوب بتذكير نعمة اللّه عليه ، وتذكر حدوده وجزاء من يتجاوز هذه الحدود ، فلم تكن هناك استجابة في أول الموقف لما دعته إليه دعوة غليظة جاهرة بعد تغليق الأبواب ، وبعد الهتاف باللفظ الصريح الذي يتجمل القرآن في حكايته وروايته وقالت : هيت لك . هذا وقد حصر المفسرون القدامى منهم والمحدثون نظرهم في الواقعة الأخيرة « ولقد همّت به وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه » ، فأما الذين ساروا وراء الإسرائليات فقد رووا أساطير كثيرة يصورون فيها يوسف هائج الغريزة ومندفعا شبقا ، واللّه يدافعه ببراهين كثيرة فلا يندفع ، صورت له هيئة أبيه يعقوب في سقف المخدع عاضا على إصبعه بفمه ، وصورت له لوحات كتبت عليها آيات من القرآن ( نعم القرآن ) تنهى عن مثل هذا المنكر ، وهو لا يرعوى ، حتى أرسل اللّه جبريل يقول له : أدرك عبدي ، فجاء فضربه على صدره ، إلى آخر هذه التصورات الأسطورية التي سار وراءها بعض الرواة ، وهي واضحة التلفيق والاختراع « 1 » . على أن جمهور المفسرين إنما ساروا على أنها همّت به همّ الفعل ، وهمّ بها همّ النفس ، ثم تجلى له برهان ربه فتركه ، وأنكر صاحب تفسير

--> ( 1 ) في ظلال القرآن 4 / 1981 ثم انظر : تفسير النسفي 2 / 217 ، تفسير الطبري 16 / 33 - 48 تفسير ابن كثير 4 / 308 - 309 تفسير القرطبي ص 3391 - 3398 ، تاريخ الطبري 1 / 337 - 338 ، الكامل لابن الأثير 1 / 80 - 81 ، ومن عجب أن التوراة لم تذكر شيئا مما ذكره المفسرون من هذه الروايات ، كما جاءت قصة المراودة في سفر التكوين 39 / 7 - 20 .